المسؤولية الاجتماعية للشركات “CSR” في منطقة الشرق الأوسط: نظرة إلى ما وراء العمل الخيري للمؤسسات


بواسطة: 
Arab Business Review
Reading Time: 
7 min
Brief: 

• يتنامى الوعي بأهمية المسؤولية الإجتماعية الملقاة على عاتق المؤسسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل متسارع.

• التقدم والتنامي المتعلق بالمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات في منطقة الشرق الأوسط لم يعد قاصراً على الشركات (وموظفيها) وحدها، فالحكومات والمؤسسات الغير ربحية حذت ذات المنحى واتخذت العديد من الخطوات بذلك الإتجاه على مر السنين السابقة.

• الممارسات الحالية لمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات لا يزال متجذراً بشكل كبير في العقول في هذه المنطقة  كشكل من أشكال العمل الخيري ولا يتماشى مع الإحتياجات الفعلية للمنطقة، وبالتالي يخلو من الكثير مما هو مرغوب في تحقيقه على أرض الواقع وتأثيره على المجتمع.

• حتى تتحقق الاستدامة الحقيقية في المستقبل من خلال تطبيق مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات، فإنه على حكومات المنطقة مجتمعة وضع الإطار التنظيمي اللازم لمفهوم المسؤولية الإجتماعية للشركات وإشراك جميع أصحاب الشركات في ذلك ، بينما تحتاج الشركات للإنتقال من الأنشطة الخيرية البحتة إلى برامج مستدامة تتصدي من خلالها لتحديات المستقبل التنموية.

  • الأخبار السارة أولاً: يتنامى الوعي بأهمية المسؤولية الإجتماعية الملقاة على عاتق المؤسسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل متسارع. لقد برزت أهمية الممارسات لمفهوم المسؤولية الإجتماعية للشركات في مطلع التسعينات من القرن الماضي عندما اكتشف أن شركات الصناعة العملاقة للملابس والأحذية كشركة نايك، كانت تصنع منتجاتها في مصانع تستغل فيها العمالة الرخيصة بشكل بشع، مما أدى إلى موجة كبيرة من الإنتقادات وكانت النتيجة لذلك اعتماد وتبني ممارسات المسؤولية الاجتماعية للشركات من قبل الشركات العاملة  في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية.
  • أما الشركات العاملة  في منطقة الشرق الأوسط بدأت مع مطلع هذا القرن بقبول وتبني مفهوم "المسؤولية الاجتماعية للشركات"، وعلى الأخص بعد قيام الميثاق العالمي للأمم المتحدة (UNGC) في عام 2000 . وعلى مر السنين،  اكتسب هذا الاتجاه زخما في هذه المنطقة حيث بلغ عدد الشركات التي وقعت على الميثاق العالمي 306 شركة؛ على الرغم من أن ذلك العدد يمثل حوالي 4 في المائة فقط من العدد العالمي للشركات الموقعة ، يعتبر ذلك تحسناً كبير إذا ما قورن بالعام 2003 حيث قام بتوقيع الميثاق ثلاث شركات فقط. علاوة على ذلك، في الآونة الأخيرة قامت شركة BAYT.com بإجراء مسح على موظفين 13 بلد من بلدان المنطقة،  حيث أشارت النتائج إلى حقيقة بأن الحماس اتجاه المسؤولية الاجتماعية للشركات لم يعد يقتصر فقط على مجالس الإدارات - بل تعداه إلى موظفي تلك الشركات، فتبين أن ما يقرب من ثلثي الموظفين في المنطقة يشاركون بالفعل في بعض أشكال العمل الخيري أو العمل لخدمة المجتمع، وأبدى 95 في المئة تمنياتهم بأن يتزايد التزامهم نحو تلك المسؤولية. حتى كمستهلكين، فإن ما يقرب من 90 في المئة من المستطلعة آرائهم يفضلون شراء المنتجات والخدمات من الشركات التي تتبنى مفهوم المسؤولة الإجتماعية.
    • بطبيعة الحال، التقدم والتنامي المتعلق "بالمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات" في منطقة الشرق الأوسط لم يعد قاصراً على الشركات (وموظفيها) وحدها، فالحكومات والمؤسسات الغير ربحية حذت ذات المنحى واتخذت العديد من الخطوات بذلك الإتجاه على مر السنين السابقة.  لقد تأسس معهد "حوكمة" في عام 2006 في دبي كمعهد إقليمي لحوكمة الشركات في الشرق الأوسط لدفع الإصلاحات في حوكمة الشركات، بالإضافة إلى الشراكات المتعددة بين القطاعين العام والخاص (PPP) والتي يروج لها في العديد من البلدان على المستوى الوطني. كما أن الشركات الغير ربحية وشبكة "المسؤولية الاجتماعية للشركات" في الشرق الأوسط تلعب دوراً هاماً في بث الوعي اتجاه هذا المفهوم ، حيث أن أعضاء تلك الشبكة  شركات ومنظمات غير حكومية ووكالات ومنظمات مهتمة بخدمة وطنها وبالاستدامة، وتبني لمبادرات اتجاه المسؤولية الاجتماعية 
  • عندما نحلل معا ما سبق، فإن الحقائق المذكورة أعلاه تشير إلى الاتجاهات التالية التي لا لبس فيها:

- بمقارنة منطقة الشرق الأوسط مع الدول المتقدمة، لقد تأخر وعي وتبني شركات المنطقة أهمية ممارسات "المسؤولية الاجتماعية للشركات" ولكن ذلك الوعي والتبني  قد تحسن بشكل ملحوظ على مدى العقد الماضي وحاليا فإن الأمر في تصاعد مستمر.

- أدرك أصحاب المصلحة في جميع الأطياف (الحكومات، والشركات، والموظفين، وغير الهادفة للأرباح) أهمية المسؤولية الاجتماعية للشركات، وعليه فإن تبني واعتماد ذلك المفهوم لا بد و أن يسير  فقط في اتجاه واحد من هنا - الشمال (أي تطبيقه دون رجعة عن ذلك).

- لم يعد من الممكن للشركات إلا اتخاذ وتطبيق مفهوم "المسؤولية الاجتماعية للشركات" على محمل الجد، لأن سمعة تلك الشركات كأرباب عمل وكمزودي خدمات وسلع أصبحت مرهونة بتبني ذلك المفهوم ولا يقل أهمية عن  القرارات التجارية والعملية.

  • والآن الأخبار الغير السارة : بغض النظر عن تبني واعتماد المفهوم، فالممارسات الحالية لمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات لا يزال متجذراً بشكل كبير في العقول في هذه المنطقة  كشكل من أشكال العمل الخيري ولا يتماشى مع الإحتياجات الفعلية للمنطقة، وبالتالي يتخلى عن الكثير مما هو مرغوب في تحقيقه على أرض الواقع وتأثيره على المجتمع. وفقا للبنك الدولي، المسؤولية الاجتماعية للشركات هي التزام تلك الشركة  بإدارة و تحسين الآثار البيئية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن أنشطتها. من الناحية البيئية ، تملك الدول العربية حاليا ما يربو على 60 في المئة من احتياطي النفط العالمي ، ولكن تملك 0.5 في المئة فقط من الموارده المائية العذبة المتجددة ، وبالتالي لديها نقص حاد في المياه ، والحاجة إلى تحسين إدارة النفايات ، و المخاوف من سوء نوعية الهواء . على الصعيد الاقتصادي و الاجتماعي، بلغت نسبة البطالة في منطقة الشرق الأوسط أكثر من 10 في المئة في السنوات القليلة الماضية ( بيانات البنك الدولي ). علاوة على ذلك، تقل أعمار نصف سكان المنطقة عن 25 سنة حاليا ، ويقدر المنتدى الاقتصادي العالمي بأن المنطقة بحاجة لخلق 75 مليون وظيفة ( و النظام التعليمي المطلوب) بحلول عام 2020 للحفاظ على مستويات العمالة الحالية. في مثل هكذا سيناريو ، فإن على المرء أن يتوقع أن تركز مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات على التصدي لهذه الحاجات الأساسية.

 

  • ومع ذلك، فنظرة فاحصة على الممارسات الحالية في المنطقة تشير إلى أن المسؤولية الاجتماعية للشركات لا تزال مرادفا لأعمال الخير بالنسبة لمعظم الشركات، وتبقى المجالات الرئيسية المطلوب التركيز عليها دون معالجة. وجدت دراسة 2013 لشركة "بيت"  أن الأنشطة الأكثر شيوعا من قبل الشركات في منطثة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA والمرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية للشركات تكون في مجال توفير الغذاء والسكن أو الملابس للفقراء ( 25 ٪ ) والعمل مع الأيتام و الأطفال المحرومين ( 13 ٪ ). الأنشطة التي تهدف إلى التخفيف من الظروف البيئية والتعليمية و الطبية في المنطقة بشكل واضح لا تشكل أولوية للشركات، و لا تزال تنظر تلك الشركات إلى المسؤولية الاجتماعية للشركات كوسيلة لتعزيز صورتها العامة، و ليس كأداة لإعداد المنطقة من أجل مستقبل مستدام . حتى داخل قطاع المؤسسات، فالممارسات التي اعتمدتها الشركات المتعددة الجنسيات تميل إلى التركيز على تطبيق رؤيتها للمسؤولية الاجتماعية كما هي من خلال الشركات المحلية التابعة لها، بدلاً من التركيز على القضايا المحلية الرئيسية. في حين أن الشركات الحكومية والشركات الخاصة المحلية أكثر وعياً للإحتياجات المطلوبة من تطبيقات مفهوم المسؤولية الإجتماعية للشركات في المنطقة، وعليه فالميل الثقافي اتجاه العمل الخيري يعني أن الإحتياجات الأخرى ستظل تعاني من نقص، ومن ثم لا تكون تأثيرات تطبيق ذلك المفهوم ذات صدى مسموع على أرض الواقع.

مبادرات "المسؤولية الاجتماعية للشركات" من لشركات الشرق الأوسط - عام  2013 (المصدر:Bayt.com )

 

 

 

  • وعلاوة على ذلك، ظل التركيز على مجالات العمل الخيري أعلاه باعتبارها مجال التركيز الأساسي لمبادرات المسؤولية الاجتماعية دون تغيير على مدى العقد الماضي. وكشف تقرير أعده البنك الدولي 2006 أنه في حين أن المسؤولية الإجتماعية للشركات في أمريكا الشمالية والمناطق الأوروبية أصبح عملاً مؤسسياً إلى حد كبير أو يعمل وفق متطلبات  السوق، نجد أن ذلك المفهوم في منطقة الشرق الأوسط  لا يزال منقاداً بشكل كبير وراء التقاليد ولم يغدو عملاً مؤسسياً بعد. وترددت نفس المشاعر من قبل مراقب المسؤولية الاجتماعية للشركات في عام 2009 والذي وجد أن مواطني الإقتصاديات المتقدمة  أرادو أن تركز مشاريع المسؤولية الاجتماعية للشركات على القضايا الأساسية مثل الصحة، وحماية البيئة، ورعاية العمل، وما إلى ذلك؛ من ناحية أخرى، فإن نظرائهم في منطقة الشرق الأوسط والمناطق النامية الأخرى رأوا في المسؤولية الاجتماعية للشركات كأداة لدعم الجمعيات الخيرية، وحل مشاكلهم الوطنية والاجتماعية.
  • على حكومات المنطقة مجتمعة وضع الإطار التنظيمي اللازم لمفهوم المسؤولية الإجتماعية للشركات وإشراك جميع أصحاب الشركات في ذلك حتى تتحقق الإستدامة الحقيقية في المستقبل من مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات، بينما تحتاج الشركات للانتقال من الأنشطة الخيرية البحتة إلى برامج مستدامة تتصدي من خلالها لتحديات المستقبل التنموية.

 

  • من الواضح، إن خلق البيئة المواتية للمسؤولية الاجتماعية للشركات يعتبر بمثابة الخطوة الأولى من أجل ضمان نجاح تطبيق ما هو مطلوب من ذلك المفهوم. وتقع مسؤولية القيام بذلك على عاتق الحكومات الوطنية المعنية، والتي تحتاج إلى تقنين وإضفاء الطابع الرسمي على المسؤولية الاجتماعية للشركات باعتبارها مجال تطبيق وممارسة (على غرار العالم الغربي) من خلال وضع اللوائح والبروتوكولات، بالتوازي مع إنخراط كبار أصحاب الشركات لضمان الاعتماد السريع والسلس لهذه المتطلبات. على سبيل المثال، وباعتبارها الخطوة الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط، عمل مركز المشروعات الدولية الخاصة (CIPE) عن كثب مع جمعية شباب الأعمال المصرية (EJBA) لتأسيس فريق عمل حول حوكمة الشركات، كما أنه عمد  لنشر دليل على "حوكمة الشركات في الشركات العائلية".

 

  • الشركات غير الهادفة للربح والأوساط الأكاديمية، عملت و ركزت جهودها على محاولة شرح أهمية المسؤولية الاجتماعية للشركات لشركات الشرق الأوسط، عليها الآن بذل الجهد والطاقة لنشر أفضل الممارسات العالمية لمفهوم المسؤولية الإجتماعية للشركات في هذا السياق  وتقديم دليل عن الكيفية المثلى لتنفيذ برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات وقياس مدى فعاليته. ونحن نعتقد أن إدراج مفهوم الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية للشركات في المناهج الدراسية  لإدارة الأعمال هو أحد أكثر السبل فعالية لتحقيق هذه الأهداف.

 

  • الأهم، إن الشركات ستحتاج الى اتخاذ نظرة شمولية للمسؤولية الاجتماعية للشركات والتركيز على التنمية الاقتصادية (التعليم، وفرص العمل، والتجارة العادلة، وتطوير البنية التحتية)، والإدارة الاجتماعية (المشاركة المجتمعية، وعمالة الأطفال، والأدوية) وإدارة البيئة (الانبعاثات، وإدارة المياه، وإدارة النفايات)، بالإضافة إلى الجهود الخيرية القائمة. علاوة على ذلك، ستحتاج الشركات متعددة الجنسيات الساعية لفتح محلات تجارية في المنطقة إلى اعتماد وتبني نهجاً محلياً لمفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات من خلال تحديد للقضايا والأمور التي تهم المجتمعات المحلية والعمل معها ومع الحكومات لحلها. يسرد الجدول التالي أمثلة على المنظمات التي اتخذت مثل هذه الخطوات - ونحن نعتقد أن هذا الأمر سوف يحتاج للمزيد من المبادرات من قبل الشركات والحكومات لضمان تطوير مستقبل مستدام لمنطقة الشرق الأوسط.

 

(المصدر: بحوث ABR، شركة كوكا كولا، شركة بوز أند كومباني، WesternZagros).

   

7

التعليقات